محمد الغزالي
234
فقه السيرة ( الغزالي )
أحد أحد ، وأمرهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يكسروا هجمات المشركين ؛ وهم مرابطون في مواقعهم وقال : « إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنّبل ، ولا تحملوا عليهم حتى تؤذنوا » « 1 » . فلما اتسع نطاق المعركة ، واقتربت من قمتها ، كان المسلمون قد استنفدوا جهد أعدائهم ، وألحقوا بهم خسائر جسيمة . والنبي صلى اللّه عليه وسلم في عريشه يدعو اللّه ، ويرقب بطولة رجاله وجلدهم . قال ابن إسحاق « 2 » : خفق النبي عليه الصلاة والسلام خفقة في العريش ثم انتبه فقال : « أبشر يا أبا بكر ! أتاك نصر اللّه ؛ فهذا جبريل اخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النّقع ! ! » . لقد انعقد الغبار فوق رؤوس المقاتلين ، وهم بين كرّ وفرّ ، جند الحق يستبسلون لنصرة الرحمن ، وجند الباطل قد ملكهم الغرور ، فأغراهم أن يغالبوا القدر . فلا عجب إذا نزلت ملائكة الخير ، تنفث في قلوب المسلمين روح اليقين ، وتحضّهم على الثبات والإقدام . وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكانه إلى الناس ، فحرّضهم قائلا : « والذي نفس محمّد بيده ، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا ، مقبلا غير مدبر ؛ إلا أدخله اللّه الجنّة » . إنّ التأميل في الآخرة هو بضاعة الأنبياء ، وهل لأصحاب العقائد وفداة الحق من راحة إلا هناك ؟ . وعمل هذا التحريض عمله في القلوب المؤمنة . روى أحمد « 3 » : أنّ المشركين لما دنوا ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه :
--> ( 1 ) رواه ابن إسحاق : 2 / 68 ، بدون سند ؛ وفي البخاري : 7 / 245 ، عن أبي أسيد : قال لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر : « إذ أكثبوكم فارموهم واستبقوا نبلكم » . قلت : « أكثبوكم » : دنوا منكم . ( ن ) . ( 2 ) في ( المغازي ) ، وعند ابن هشام : 2 / 68 - 69 ، بدون سند ؛ لكن وصله الأموي من طريق ابن إسحاق ، حدثني الزهري ، عن عبد اللّه بن ثعلبة بن صعير ؛ وهذا سند حسن ، وسكت عنه ابن كثير : 3 / 284 . ( 3 ) في المسند : 3 / 136 - 137 ، بدون الأبيات . وكذلك أخرجه مسلم : 6 / 44 - 45 ؛ -